أحمد بن علي الرازي

115

شرح بدء الأمالي

وإذا قضى بالشدة فعليه أن يستقبله بالصبر والرضا ، حتى يعطيه الله تعالى كرامة الآخرة لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 153 ] . وقال تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] . ثم إذا وقع في المعصية يرى قضاء الوقوع من الله عدلا لا جورا ، ولا يرضى من نفسه الوقوع فيه فيتوب ويستغفر ؛ لأن الجبري لا يرى الملامة من نفسه ، والقدري لا يرى عدلا ، والمعتزلة لا يرى المغفرة بغير توبة . فإذا رأيت الوقوع من الله تعالى عدلا فقد تبرأت من القدري ، وعلمت هذه الآية : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] . وإذا استوجبت الملامة لنفسك فقد تبرأت [ 65 ] من الجبري وعلمت هذه الآية : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] . وإذا ثبت منه واستغفرت ربك فقد تبرأت [ 65 ] من المعتزلة وعلمت هذه الآية : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] . وإن قالوا نحن ما ننفى المشيئة ، ولكن نقول : المشيئة على نوعين : جبر ، ومشيئة تفويض . مشيئة الجبر كخلق السماوات والأرض وما بينهما ، ومشيئة التفويض قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ النحل : 93 ] . وقوله « شاء » مشيئة جبر لو شاء لجبركم على الإسلام ولكن يضل من يشاء مشيئة تفويض ، هذا اعتقاد القدرية العدلية الملعونة . قلنا : العجب من ترهاتكم وو عادتكم حيث قسمتم مشيئة الله على قسمين كأنكم شركاء الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ثم نريكم قبح هذه المقالة : إن الرجل إذا خير إنسانا بين أمرين وفق العمل بين طريقين يعنى الخير والشر ، فإذا اختار الشر كان معذورا . أجعلتم العباد معذورين في ارتكاب المعاصي ، وإذا اختار الخير يكون له منة على المفوض ، والمخير إذا جعلتم للعباد منة على الله تعالى ، ولا يتعلق الخصم بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] .